أحمد بن محمد المقري التلمساني
176
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
والمنطق ، ويكتب ويشعر مصيبا غرض الإجادة ، ويتكلّم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ، ويعتني بالتدوين فيها . شرّق وحجّ ولقي جلّة ، واضطبن « 1 » رحلة مفيدة ، ثم عاد إلى بلده فأقرأ به ، وانقطع إلى خدمة العلم . فلمّا ولى ملك المغرب السلطان ، محالف الصّنع ونشيدة الملك وأثير اللّه من بين القرابة والأخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه ، وخلطه بنفسه ، واشتمل عليه ، وولّاه قضاء الجماعة بمدينة فاس ، فاستقلّ بذلك أعظم الاستقلال ، وأنفذ الحق ، وألان الكلمة ، وآثر التسديد ، وحمل الكلّ « 2 » ، وخفض الجناح ، فحسنت عنه القالة « 3 » ، وأحبّته الخاصّة والعامة . حضرت بعض مجالسه للحكم ، فرأيت من صبره على اللّدد « 4 » وتأنّيه للحجج ورفقه بالخصوم ما قضيت منه العجب . دخوله غرناطة - ثم لمّا أخّر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة ، فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة وخمسين وسبعمائة . فلمّا قضى غرض رسالته ، وأبرم عقد وجهته ، واحتلّ مالقة في منصرفه ، بدا له في نبذ الكلفة ، واطّراح وظيفة الخدمة ، وحلّ التقيّد ، إلى ملازمه الإمرة ، فتقاعد ، وشهر غرضه وبتّ في الانتقال ، طمع من كان صحبته ، وأقبل على شأنه ، فخلّي بينه وبين همّه . وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربّه ، وطار الخبر إلى مرسله ، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة والعدول عنها بقصد التخلّي والعبادة ، وأنكر ما حقه الإنكار من إبطال عمل الرسالة ، والانقباض قبل الخروج عن العهدة ، فوغر صدره على صاحب الأمر ، ولم يبعد حمله على الظنة والمواطأة على النفرة ، وتجهّزت جملة من الخدّام المجلّين في مأزق الشبهة المضطلعين بإقامة الحجة ، مولين خطّة الملام ، مخيرين بين سحائب عاد من الإسلام ، مظنة إعلاق النقمة ، وإيقاع العقوبة ، أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة والمنابذة « 5 » . وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمّم بمسجدها ، وجأر بالانقطاع إلى اللّه ، وتوعّد من يجبره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه ، فأهمّ أمره ، وشغلت القلوب آبدته ، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضى له فيها رفع التّبعة وتركه إلى تلك الوجهة . ولمّا تحصّل ما تيسّر من ذلك انصرف محفوفا بعالمي القطر قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المذكور قبله ، والشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج ، مسلمين لوروده ، مشافهين بالشفاعة في غرضه ، فانقشعت
--> ( 1 ) اضطبنه : في الأصل جعله في ضبنة ، وهنا اضطبن الرحلة أي : اعتزمها . ( 2 ) الكلّ - بفتح الكاف - اليتيم . ( 3 ) حسنت عنه القالة : حسن قول الناس فيه . ( 4 ) اللدد : الخصومة الشديدة . ( 5 ) المنابذة : المخالفة ، والمفارقة من عداء وبغضاء .